السيد محمد تقي المدرسي

120

من هدى القرآن

درهماً قل له : إذا اشتريت شيئاً تقاسمه مع زملائك ، فيجب أن تربي ابنك منذ نعومة أظفاره على أن يَحُنَّ على الناس ، ويرى نفسه مسؤولة عن الآخرين . وينبغي أن يكون هذا الحنان في إطار توحيد الله سبحانه ، فقد يكون للحنان جانب سلبي ، وهو أن يحن الإنسان على الآخرين فيخضع لهم ، ويخرج عن حدود الله ، وهذا خطأ ، إنما يجب عليه أن يحن عليهم ، ويخضع لله ، وهكذا كان يحيى ، ولعلَّ الآية تشير إلى ذلك . الصفة الثانية : التقوى . والأحاديث كثيرة عن تقوى يحيى عليه السلام وكيف كان يخاف الله ويخشاه ، يقال : بأن زكريا كان يمنع ابنه يحيى من أن يحضر مجالسه لأنه لم يكن يحتمل مواعظ والده ، ولكن يحيى جاء واختبأ تحت المنبر ، فصعد زكريا وأخذ يخوف الناس نار جهنم ، وإذا به يجد يحيى يخرج من تحت المنبر باكياً ، ويهيم على وجهه في الصحراء ، فأخذ الناس يبحثون عنه في كل مكان ، فلم يجدوه إلّا بعد فترة جالساً على ماء ، يبكى بكاءً مراً ، ويناجي ربه ، ويدعوه أن ينجيه من نار جهنم ، وقد ورد في حديث شريف ، فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فِي قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ وحَناناً مِنْ لَدُنَّا قَالَ : [ إِنْ كَانَ يَحْيَى إِذَا دَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ يَا رَبِّ يَا اللهُ نَادَاهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ لَبَّيْكَ يَا يَحْيَى سَلْ حَاجَتَكَ ] « 1 » . [ 14 ] الصفة الثالثة : وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً إنه كان يحسن معاملة والديه ، ويعتني بهما . ويبدو أن هذه الصفات الثلاث التي وردت في الآية وهي : الحنان ، والتقوى ، والبر ، تنبع جميعاً من صفة واحدة وهي : العلاقة الإيجابية مع أبيه وأمه ومجتمعه . إن الولد المشاكس يسميه القرآن جباراً ، والجبار هو الذي يعيش لنفسه فقط ، وحسب أهوائه ، ويتصرّف حسب بغضه وحبه ، ويرى نفسه أعلى من الآخرين ، ولكن يحيى لم يكن جباراً ، ولم يكن عصياً ، أي لم يكن يهدف العصيان والتمرد على والديه أو على الناس . [ 15 ] وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً إن من الأمور التي كان قد طلبها زكريا هي أنه قال : وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ، وفي هذه الآية نرى استجابة الله تعالى لهذا الطلب ، فقد عاش يحيى سالماً ، ومعه السلام ، فالمجتمع أحبه ، والله أحبه ، وفي المستقبل - بعد موته - سوف يحبه الناس . إن يحيى قد استشهد في سبيل الله ، ولكن الشهادة في نظر الإسلام تعتبر سلاماً بالنسبة

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ص 86 .